عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
152
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
والاستعلاء والرفعة لأنها عالية المكان ، إلى غير ذلك ؛ فإذا ترك الإنسان هذه المقتضيات المذكورة بالروحية أو البشرية وكان دائم الشهود للسرّ الذي منه أصله ، ظهرت أحكام السرّ الإلهي فيه ، فانتقل هيكله ، وروحه من حضيض البشرية إلى أوج قدس التنزيه ، وكان الحق سمعه وبصره ويده ولسانه ، فإذا مسح بيده أبرأ الأكمه والأبرص ، وإذا نطق لسانه بتكوين شيء كان بأمر اللّه تعالى وكان مؤيدا بروح القدس ، كما قال اللّه في حق عيسى عليه السلام لما كان هذا وصفه وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ « 1 » فافهم ، واللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل . الباب الحادي والخمسون : في الملك المسمى بالروح اعلم أن هذا الملك هو المسمى في اصطلاح الصوفية بالحق المخلوق به والحقيقة المحمدية نظر اللّه تعالى إلى هذا الملك بما نظر به إلى نفسه ، فخلقه من نوره وخلق العالم منه ، وجعله محل نظره من العالم . ومن أسمائه أمر اللّه وهو أشرف الموجودات وأعلاها مكانة وأسماها منزلة ليس فوقه ملك ، وهو سيد المقرّبين وأفضل المكرّمين ، أدار اللّه عليه رحا الموجودات وجعله قطب فلك المخلوقات ، له مع كل شيء خلقه اللّه تعالى وجه خاص به يلحقه ، وفي المرتبة التي أوجده اللّه تعالى فيها يحفظه ، له ثمانية صورهم حملة العرش ، منه خلق الملائكة جميعها عليها وعنصريها ، فنسبة الملائكة إليه نسبة القطرات إلى البحر ، ونسبة الثمانية الذين يحملون العرش منه نسبة الثمانية التي قام الوجود الإنساني بها من روح الإنسان ، وهي العقل والوهم والفكر والخيال والمصورة والحافظة والمدركة والنفس . ولهذا الملك في العالم الأفقي والعالم الجبروتي والعالم العلى والعالم الملكوتي هيمنة إلهية خلقها اللّه في هذا الملك وقد ظهر بكماله في الحقيقة المحمدية ، ولهذا كان صلّى اللّه عليه وسلم أفضل البشر وبه امتنّ اللّه تعالى عليه وأمده من أجلّ النعم التي أسداها اللّه تعالى إليه ، فقال تعالى : وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ « 2 » يعني إنا جعلنا لروحك وجها كاملا من وجوه
--> ( 1 ) آية ( 87 ) سورة البقرة . ( 2 ) آية ( 52 ) سورة الشورى .